الدور التربوي والتعليمي لمؤسّسات المجتمع المدني؛ الواقع والمأمول

لطالما شكَّل المجتمع المدني علامة فارقة في الوطن العربي عبر السنين على الرغم من اختلاف دوره من مجتمع إلى آخر في العالم العربي، وعلى الرغم من تعريفاته المختلفة حسب المنطقة  طبيعة المجتمع  والنظام السياسي الحاكم، إلا أن موضوع الدور التربوي للمجتمع المدني يبقى من أهم القضايا المرفوعة في المنطقة. وتبقى التساؤلات حول مدى فاعليَّة وشرعيَّة هذا الدور، إن وجد أصلا في نسيج المجتمع المدني في العالم العربي من أهم التساؤلات المطروحة.

 

دور فاعل في قضايا التعليم:

 

مثله مثل قضايا حرّيّة المرأة أو حرّيَّة الإعلام، تبقى الإجابة حول السؤال عن وضعيَّة المجتمع المدني في العالم العربي رهينة ثلاثة استفهامات رئيسة وهي: أين؟ من المقصود؟ وتحت أي ظرف؟ وبما أن علاقة المجتمع المدني بالسلطات الرسميَّة في العالم العربي تخضع للعديد من علاقات الصداقة والعداوة، وتعتمد مثلما قلنا على تلك الأسئلة الثلاثة وعلى خطوطٍ حمراء خفيَّة ومتغيِّرة في بعض الأحيان. وبالتالي فإننا سوف نحاول أن نوضح في كل مرة الفروق بين وضعيَّات المجتمع المدني في مختلف الدول العربيَّة؛ لأنَّ هذا التفريق مهمّ جدًّا حتى نفهم مدى احتكاك قضيَّة التعليم في المجتمع المدني بالتعليم الرسمي. وهذا ما يأخذنا إلى نقطتنا الأولى في هذا المقال وهي عن ماهيَّة دور المجتمع المدني في قضيَّة التعليم العامّ في الوطن العربي. يطرح المجتمع المدني قضايا التعليم في العالم العربي من منطلقين أساسيّين: الأوَّل هو المناداة بإصلاح التعليم الرسمي والعمومي من خلال الاعتماد على حملات المناصرة من أجل الترويج سواء لمناهج تعليم جديدة، أو لأدواتٍ جديدة تساهم في تحسين جودة التعليم في المجتمع، ويمكن أن نرى أمثلة على ذلك في العديد من الدول العربيَّة، لكن ذلك يتغيَّر حسب طبيعة النظام الحاكم فمثلا؛ في تونس تشرك الحكومة منظّمات المجتمع المدني في الحوار الوطني حول إصلاح التعليم لتدلي برأيها، أمّا في دولٍ أخرى، مثل الأردن فتطرح المنظّمات أمثلتها، لكن التجاوب الرسمي للسلط يكون أقل نسبيًّا. المنطلق الثاني هو تبنّي العمليَّة التعليميَّة كتوجهٍ جديد يتمُّ بناءه من خلال المشاركة في الأنشطة المجتمعيَّة، وبالتالي خلق شكل من أشكال التعليم الموازي للتعليم الرسمي. وتُعدّ بلدان مثل الأردن، المغرب وتونس بلدانًا رائدة على هذا المستوى حيث تسعى العديد من منظّمات المجتمع المدني إلى خلق فرص موازية للشباب من أجل تعلّم العديد من المهارات التي لا توفّرها المؤسّسة التعليميَّة الرسميَّة أو توفرها، ولكن جودة التعليم بها لا تستجيب للمعايير المطلوبة. يمكن أن نذكر المنظّمات التي تعمل على زيادة مشاركة الشباب في الشأن العامّ والسياسي، وأيضًا تعليم ثقافة المناظرة وقبول الآخر بغض النظر عن الفروقات المجتمعيَّة أو الثقافيَّة أو الدينيَّة ونبذ التطرّف والتعصّب، حيث أن كل هاته المجالات التي يتدخَّل فيها المجتمع المدني لم يفلح التعليم الرسمي في تقديمها بالشكل المطلوب، أو لم يقدّمها على الإطلاق. ولكن يبقى السؤال المطروح الآن، هل يمكن لهذا التعليم الموازي الذي يقدّمه المجتمع المدني أن يشكِّل رديفًا للتعليم الرسمي؟

 

تعويض نقائص التعليم الرسمي:

 

يشكِّل واقع التعليم في العالم العربي إشكالًا كبيرًا، حيث يعد جلّ الخبراء أنّ أغلب النظم التعليميَّة في العالم العربي منخرمة وتحتاج إلى عملية جراحة قلب مفتوح كما يصفها بعض الخبراء. أيّ أن التعليم لا يقدّم أي إضافة ملحوظة من أجل خلق أجيال قادرة على المساهمة إيجابيًّا في بناء أوطانها، وهذا يبدو صعب المنال؛ خصوصًا وأنَّ عدد الأميِّين قد ناهز الأربعة وخمسين مليون نسمة في العالم العربي [1].وبالتالي فإن طرح المجتمع المدني لشكلٍ تعليمي موازٍ للتعليم العمومي قصد سدّ النقص الناجم عن انخرام النظم التعليميّة، يُعَد بادرة مهمَّة من أجل تخفيف الأضرار الناجمة عن رداءة التعليم في العالم العربي من خلال إيجاد طرق مجدّدة بديلة للتعليم الرسمي تساهم في صقل مواهب الشباب وتوعيتهم بأهم قضايا المجتمع وتحفيزهم على مزيد البحث والاعتماد على المجهود الجماعي. ويزخر العالم العربي بعديد من الأمثلة لمنظّمات التي تعمل على تدعيم مكتسبات الطلاب في جميع مراحل التعليم من الأساسي إلى الجامعة، وأيضًا التدريب على المهارات المرنة كمهارات الخطاب العامّ وإدارة المشاريع وإدارة الأزمات وغيرها، والتي نادرًا ما يوفّرها التعليم الرسمي في مجتمعات. هذا التعليم الموازي يبقى مثله مثل أي شكل من أشكال التعليم قابلا للتقييم، وهنا لسائلٍ أن يسأل:هل يمكن لهذا التعليم أن يرتقي ليضمن قيم الحرّيّة والنوعيَّة المطلوبة من أجل تعليمٍ ذي جودة؟

 

أيّ جودة يطرحها التعليم الموازي؟

 

يبقى هذا التعليم الموازي رهين وضعيَّة المجتمع المدني بصفة عامَّة وعلاقته بالسلطة، ففي أغلب البلدان العربيَّة حيث يكون النظام،عادة، سلطويًّا أو نصف سلطوي عندها تكون الخيارات ضيّقة جدًّا للمنظّمات من أجل العمل بحرّيّة، وبالتالي فإن المنظّمات تجد صعوبات في تحقيق ما تصبو إليه من خلق تعليمٍ مواز. أمّا بالنسبة للمنظّمات التي تتمتَّع بحرّيَّة في العمل فنجدها تنعكس بالإيجاب على عمل المنظّمة، حيث أنّ حرّيَّة الخيار تعطي مرونة أكثر لطرق التعليم والأدوات المستعملة. يمكن إذا أن نستنتج أنّ الجودة المقدّمة من خلال التعليم الموازي، دائمًا ما تتأثّر بالمناخ السياسي وعلاقته بمنظّمات المجتمع المدني، وهذا ما نجده متغيِّرًا من بلدٍ إلى آخر في العالم العربي.

 

التعليم الموازي الذي إذا قارناه بنظيره الرسمي، نجد مجموعة من الفروقات التي يمكن اعتبارها مميّزة للنوع الأول، خاصّة إذا ما تحدّثنا عن طرق تقديم المعلومة، حيث نجد أن الطرق المستعملة في النوع الأول تتميّز بالمرانة في الأسلوب وبالتفاعليَّة حيث تبتعد عن النمط “المحاضراتي” المتّبع في أغلب المؤسّسات العموميَّة وتميل إلى تشريك المتعلّم وتثمين رأيه، وهذا ما وجده المتعلّمون كنعمة في التعليم الذي توفّره منظّمات المجتمع المدني. فضلا عن الطابع غير الرسمي الموجود في هذا النوع من التعليم، حيث ما يجد الطلّاب عادة حرّيّة في التعبير عن آرائهم وعدم الخوف من أخطائهم، وفهم أنها هي الوسيلة من أجل التعلّم. يجعل هذان السببان التعليم غير الرسمي أكثر عمقًا في التواصل مع الطلبة وأكثر جاذبيَّة لهم من نظيره الرسمي. هذا الدور المهمّ الذي نراه جليًّا يطرح سؤالًا جوهريًّا في هذه القضيَّة، وهو هل للمجتمع المدني النصيب الكافي من الشرعيَّة المؤسّساتيّة حتى يكون شريكًا أساسيًّا ومؤثّرًا في بناء البيئة العلميّة في المنطقة ؟ وماذا ينقصه ليصبح كذلك؟

 

اكتساب الشرعيَّة المؤسّساتيَّة

مثلما بدأنا المقال، دائمًا ما نعود إلى الإجابة عن الأسئلة الثلاث حتى نعرف ماهيَّة هذا الدور. ففي الأنظمة التي تؤمن بدور المجتمع المدني، نجد أنّ المنظّمات قد فرضت نفسها كصاحبة دور أساسي في بناء التعليم في المجتمع من خلال إشراكها في جميع محاولات إصلاح التعليم أو انفتاحه على مدارس أخرى، وأيضًا اعتراف الدولة بالمهارات التي يساهم المجتمع المدني في تعليمها وبنائها لأفراد المجتمع مثل ما هو موجود في تونس أو الأردن. أمّا بالنسبة لأغلب الدول العربيَّة، فإن المجتمع المدني يجب أن يفرض أكثر وجوده في الحياة العامّة وأن يفتك مكانه في الشأن العامّ حتى يقوّي من دوره ويبرهن على أنه يجب أن يكون شريكًا فعليًّا في بناء البيئة التعليميَّة في المجتمع، وأن يحاول أن يتلافى الأخطاء التي وقع فيها بُناة التعليم العمومي. وهنا يأتي الرهان الأكبر لجميع منظّمات المجتمع العربي التي يجب أن تؤمن بأن التعليم المقدّم يجب أن يكون مكمّلا للتعليم الرسمي الذي يجب أن يكون ذا جودة في الأصل، وإلا فإن المحصّلة ستكون منقوصة، وإن العديد من المجهودات ستكون زائدة عن اللزوم.

 

في النهاية يمكن القول بأن منظّمات المجتمع المدني قد ساهمت في بناء تعليم موازٍ يطمح إلى سدّ النقص الحاصل بسبب حالة التردّي التي يعيشها التعليم العمومي في الوطن العربي، إلا أن الرهانات لا تزال كبيرة أمامه؛خاصّة فيما يتعلَّق بأهمّيّة التركيز على المساهمة في إصلاح التعليم العمومي، وفرض طريقة تعليمهم الموازية كمكمّل للتعليم العمومي، وليس كمنافس وخصم له تمامًا مثلمّا تشكّله علاقة المجتمع المدني بالأحزاب السياسيّة والحكومات.

____________

المصادر:

النشرة الإحصائيّة للمرصد العربي للتربية. العدد الثاني 2016   http://www.alecso.org/marsad/site/?p=2168 & lang=ar

اخترنا لكم