مدارس الفن؛ بين الجامعات الرسميَّة والمجتمع المدني

تحدَّث الفلاسفة كثيرًا عن تعريف وجدوى الفن، وهل هو قيمة مضافة أم قيمة مطلقة مستقلَّة بذاتها، وهل هو علم يمكّننا أن نرسي له قواعد وندرّسها للراغبين؟!

لم يترك الله مليمترًا واحدًا في الخلق دون أن يثريه بالجمال فضلا عن الوظيفة، ولو شاء لجعل الكائنات تحمل وظيفتها فقط دون الإطار الجمالي، ولكنه قدّر لنا الجمال والإحساس به ووهب لنا القدرة على صنعه، فمنذ قديم الزمن والإنسان يملك القدرة على تحليل الجمال وصنعه ووضع علوم لصنعه وتنمية الإحساس به.

فعكس الواقع في إبداعاته الفنيّة من رسم وموسيقى ومسرح وغيرها، ليستنطق الشعور الإنساني ويحيي النفوس ويشيع البهجة، أو يستحضر الألم ليعلّم الناس ويرتقي بإنسانيّتهم.

ولعلَّ اليونانيّين هم أوَّل من اهتمَّ بتدريس الفن واعتباره علمًا مستقلّا، وتتابع من بعدهم إنشاء المدارس والكليّات المختصَّة بتدريس الفن محاولة الارتقاء بالإنسان واكتمال أوجه إنسانيّته.

ولكن بمرور الوقت نالت كليّات الفنون في العالم العربي ما نالته كليّات العلوم والآداب، وأصابها ما أصابها من جمود وتراجع عن آداء دورها الاجتماعي.

مؤسّسة ألوان:

في البداية تحدّثتُ مع المدير التنفيذي للمؤسّسة كي أتعرّفَ عليها من خلاله، أعطاني خبرته ومعلوماته عنها والتي لم تكن أبدًا بخبرة هيِّنة، ولكنّني تركته وفي عقلي سؤال ما زال حائرًا، ما الذي يجذب كل هذا العدد من الشباب إلى تلك المؤسّسة الصغيرة ضعيفة الإمكانيَّات، وما الذي يدفع صاحبها إلى تقديم تدريبات مجانيَّة للشباب في هذا المجال بالذات؟!

ظلَّت حيرتي تداعبني حتى قابلته، المهندس/ رياض رفعت صاحب ومدير مؤسّسة ” ألوان”، رجل طيِّب ومثقَّف، تلتمع عيناه بحلم كامن لمستقبل مشرق رغم كبر سنه، يؤمن بالشباب إيمانًا لا حدّ له، ويؤمن أن الفن قادر على تجميع ما فرّقته الأيدولوجيّات والصراعات السياسيَّة إيمانًا لا حدّ له أيضًا، رجل متأكِّد من قيمته كفرد في المجتمع، طامح أن يؤدّي دوره على أكمل وجه، رجل نقل إيمانه لكل من حوله من شباب فعملوا معه تطوّعًا ما لا يعملونه بمقابلٍ ماديّ في حياتهم المهنيَّة العاديَّة.

عندما حادثته لم أستطع أن أمنع خلايا ذاكرتي من مقارنة هذا الوجه المحبّ بأوجه أساتذة الكليّات التي تمتلئ في أغلبها بالسخرية والهموم وأحيانًا كثيرة بعدم الاكتراث، ولكنني نفضت الذكرى بسرعة عن عقلي لأستمع باهتمام لهذا الرجل الحالم.

عن “ألوان”:

مؤسَّسة ” ألوان” هى مؤسَّسة مصريَّة غير هادفة للربح، أسَّسها المهندس/ رياض رفعت عام 2012، وبدأ العمل فيها عن طريق الإعلان في عدَّة جامعات مصريَّة مختلفة عن معسكر شبابي بمنطقة “أبو قير ” بالإسكندريَّة، ضمَّ فيه 90 شابًا مختلفي الآراء والأيدولوجيات والاتِّجاهات، وقرَّر أن يجمعهم على تعلّم ألوان من الفنون كالمسرح، والتصوير الفوتوغرافي، وورش الكورال، والحكي، وكل ذلك لإذابة الاختلافات والانقسامات والتعصُّب التي شاعت بين الشباب بعد ثورة 25 يناير 2011.

أسماها “ألون” ليعبِّر بها عن جمع الاختلافات، وأن هذه الاختلافات بين الشباب خصوصًا والناس عمومًا قادرة على صنع لوحة جميلة معًا، وكان الهدف من هذا إيجاد مساحة للتعبير عن الرأي بحرّيَّة، والسماح لمساحات التلاقي أن تظهر من خلال الفنون، وتذيب الاختلافات والصراعات.

المؤسَّسات التعليميَّة وإرساء القيمة:

في الفترة من 1356 م إلى 1363 م، أنشأ السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون بالقاهرة مسجد ومدرسة “السلطان حسن”، واعتنى بإقامة هذا الصرح على القيمة الفكريّة والإنسانيَّة قبل العلم، ألا وهي قيمة تقبّل الاختلاف واحترام الآخر وإيجاد نقطة للتلاقي، من تعليم مذاهب الفقه الأربعة مجتمعين معًا في ساحة المسجد، كل في مساحته الخاصَّة ولكن يجمعهم صحن المسجد، وعند إقامة الصلاة يصلّي الجميع على مذهب أبي حنيفة النعمان احترامًا لسعة انتشار هذا المذهب بمصر وقتها، وراعى المهندس العبقري الذي بنى المسجد هذه القيمة حتى في تصميم المبنى المعماري، فأصبح كل جزء بالمسجد ينطق بالقيمة.

بينما ومنذ إنشاء أول جامعة عرفها العالم في القسطنطينية “اسطنبول” عام 425 م، وحتى يومنا هذا لم ينتبه أغلب مؤسّسي الجامعات والمدارس -إلا نادرًا- لهذه الخطوة المهمّة ربما التي نحن في أحوج ما يكون لها الآن في إنشاء هذه المؤسَّسات، وهي وضع قيمة إنسانيَّة أو أخلاقيَّة تقوم عليها المؤسَّسة التعليميَّة.

تهتمُّ كثير من منظّمات المجتمع المدني المهتمَّة بالتعليم بإرساء قيمة إنسانيَّة أو أخلاقيَّة لها، وتحاول التعبير عن هذه القيمة باستمرار في أنشطتها والمعاملات داخل وخارج المنظَّمة، ولكن الجامعات الرسميَّة تفتقد لهذا الأمر بشدَّة.

حرّيَّة الدارس:

يتخرَّج في جامعات مصر كل عام من الجامعات الحكوميَّة والخاصَّة نحو مليوني ونصف المليون طالب، 75% منهم على الأقل لا يختار بحرّيَّة المجال الذي يودُّ دراسته، إمَّا بسبب مجموع درجاته في الثانويَّة العامَّة أو بسبب ضغط الأهل، أو احتياج سوق العمل.

وبينما يتنامى هذا الضغط المجتمعي والاقتصادي على الشباب يومًا بعد يوم، تفتح منظّمات المجتمع المدني أبوابها مرحّبة لتحلّ هذه المشكلة ببساطة، وتنأى بالشباب عن الواجهات الاجتماعيَّة المزيّفة التي يوفّرها الانتماء لبعض الكلّيّات، وتصنيف وزرات التربية والتعليم لهم حسب مجموع درجاتهم، وتكتشف شغفهم الحقيقي والمثمر.

يقول “زين”، وهو أحد الشباب الملتحقين بالورش التدريبيَّة بمؤسّسة ألوان: ” لقد عانيتُ من الكبت الشديد أثناء دراستي في المرحلة الثانويَّة، وعندما أنهيتها كان الأمل بالالتحاق في كليَّة الفنون الجميلة يخفّف عني الكثير من هذا الكبت، ولكن تجدّد همّي وكبر عندما تجاوزتُ اختبار القدرات بالكليّة ولكن مجموع درجات الثانويّة العامّة منعني عن الالتحاق بها.

وشعرتُ حينها أن لديّ الكثير من الطاقة التي لا أعرف أين وكيف يمكنني إخراجها، حتى تعرّفتُ بمؤسّسة ألوان، وتعلّمت من خلالها فن الجرافيتي و تدرّبت عليه، وبقيت في المؤسّسة أعاون الآخرين على تعلّم هذا الفن، حتى أصبحتُ مساعد مدرّب فيها”.

وعن حنان إحدى الفتيات الملتحقات بورش ألوان التدريبيَّة، تقول:” رفض أبي تمامًا التحاقي بكليَّة الفنون الجميلة رغم موهبتي الواضحة  في الرسم، نظرًا لارتفاع مجموع درجاتي في الثانويَّة العامَّة  والذي يؤهّلني للالتحاق بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيَّة، تقول: “امتثلتُ لرغبة أهلي ولكنني اتّجهتُ لصقل موهبتي وتعلّم أساسيّاتها من خلال ألوان”.

 

ملامسة الواقع والتدريب العملي:

تتّجه بعض منظّمات المجتمع المدني المهتمَّة بصقل المواهب وتدريس أساسيّات العلوم لشبابها لتطوير مناهجها التعليميَّة اتِّساقًا مع واقع سوق العمل وواقع التطوّر التكنولوجي وتغيّر العالم السريع، وتحاول هذه المنظّمات تدريب الشباب بشكل ميداني وعملي على هذه المناهج، وتكون بينهم وبين المجتمع شبكة من العلاقات تفيدهم في رحلة حياتهم المهنيَّة والشخصيَّة أيضًا.

بينما تراجع دور الجامعات في العالم العربي خصوصًا خلال السنين العشرين الأخيرة في تكوين هذه الصلة بين طلّابها وبين المجتمع، حيث يصرُّ الأساتذة والقائمون على وضع المقرّرات على أساليب التلقين واعتماد مناهج مرّت عليها أحقاب زمنيّة في الواقع العملي، بينما ببساطة يحاول مدرّبو ومعلّمو منظّمات المجتمع المدني، وأغلبهم من الشباب، مواكبة التطوّر وتغيير المناهج وطرق التدريب دومًا وبدون قيود الإطارات الرسميَّة، وبيروقراطيَّة الدول.

فماذا يمكن للجامعات الرسميَّة ووزارات التعليم تعلّمه من تحركات المجتمع المدني نحو تعليم أفضل، وهل يمكن أن تتّسع الصدور والعقول لبناء شبكات ومدّ جسور وقنوات بين الهيئات الرسميَّة للتعليم والمجتمع المدني للمشاركة في حلّ مشكلات التعليم المعرفيَّة والتقنيَّة والاجتماعيَّة؟!

هذا ما نأمله…

اخترنا لكم