بعض الشروط القرآنية لنجاح العملية التعليمية وصناعة المعلِّم

لم تعد الصعوبة اليوم كبيرة في تحصيل المعلومة والمعارف، بل باتت مهمة اكتساب ملكة القدرة على الاستثمار الحسن لمختلف المعارف المهمةَ الخطيرة في العملية التعليمية، وهي مهمة منوطة بالمعلم بالدرجة الأولى، فالمعلم هو الشخص الوحيد الذي بإمكانه إقدار الطالب على التفاعل الحسن مع المعارف، وتمكينه من اكتساب ملكة التفكير والنظر بدقة فيما يتلقى من المعارف والمعلومات واستثمارها بشكل جيد. فلا بد إذًا  من إخضاع المعلِّم إلى التكوين، وتوجيهه إلى الأسس والمناهج الكفيلة التي ستمكنه من تكوين طلاب علمٍ في المستوى المطلوب. والناظر في كتاب الله تعالى، يجد أن القرآن حدد أهم الأسس في العملية التعليمية، ووضع أهم المناهج فيها، وأشار إلى أخطر الأمور المعيقة للعملية التعليمية.

1- الأسس التعليمية في القرآن الكريم:

أ. القابلية والفضول المعرفي.

أبرز الأسس التي ذكرها القرآن الكريم هي القابلية للتعلم عند البشر، وجاءت الإشارة إليها في كتاب الله تعالى في الآيات الواردة في قصة تعليم الأسماء لآدم عليه السلام، ومعرفة هذا الأخير بها خلافًا للملائكة التي عجزت عن ذلك. فأول شيء خضع إليه آدم بعد الخلق مباشرة هو عملية التعليم. ولهذا الحدث معاني كثيرة، يجب على المعلم أن يقدرها حق قدرها، إذ يبرز طبيعة الإنسان التي خص الله بها بني آدم دون غيرهم من المخلوقات، وهي قابليتهم لأن يتعلموا، في حين خلق تعالى الملائكة لأعمال محددة ودقيقة، لا تستطيع أن تتجاوزها إلى غيرها. فكل طالب علم من الناس له هذه القابلية، وليس ثمة طالب غير صالح للتعلم، وقد يتساءل البعض عن كيفية تعليم الله آدم، هل كانت بتلقينه تلك الأسماء أم عن طريق الإلهام؟ وقد وردت في التفاسير اختلافات كثيرة بهذا البشأن هذا، أما التعليم عن طريق الإلهام فقد ذكره القرطبي في تفسيره.

ولعل ما ذهب إليه المفسرون فيه إغفال كبير للسبب الحقيقي في تعلم آدم، إذ المقصود بالتعليم قابلية الإنسان للتعلم، فالأسماء التي علِمها آدم وعجزت عن معرفتها الملائكة، تعلمها بحُكم طبيعته الخِلقية. فكون حياته تقوم على الغذاء، والراحة، والتناسل، عرف آدم أسماء الطعام ووسائل الراحة والنوم كالأريكة والمقعد، وغيرها. ولما كانت الملائكة لا تحتاج كل هذا فقد جهلت أسماء ذلك.

مما يستفاد من قصة خلق آدم أيضاً المتعلقة بطبيعته الخلقية: فضوله المعرفي، وهذا الذي أشارت إليه الآيات الواردة في حوار إبليس لآدم وزوجه، فاستغل ذلك إبليس للإيقاع بهما في المعصية.

ب. التأكيد القرآني على سنة الاختلاف:

وردت في كتاب الله تعالى آيات كثيرة نصت على أن الاختلاف سنة إلهية، وعليه فمن يسعى إلى حمل الناس جميعا على معتقد أو نمط تفكير واحد، يصارع سنة الله التي لا تبديل لها، والتنبيه القرآني لمسألة الاختلاف أساس من الأسس التي ينبغي على المعلم تقديرها وهو يمارس مهمته التعليمية، لأن ذلك يجعله على يقين أن أفكار طلابه ستكون مختلفة ولا سبيل لتوحيدها، وأن مهمته تقتصر على أن يبني كل صاحب فكرة من طلابه فكرته على أسس علمية وأدلة منطقية.

2- المنهجية التعليمية في القرآن الكريم:

أ. إثارة الانتباه بضرب المثل:

يمكن للمتدبر في كتاب الله تعالى أن يستخرج المنهج القرآني في التعليم، وذلك من خلال الوقوف مع الآيات البيّنات الواردة في هذا المجال، وقد أثار القرآن انتباه مخاطبيه للنظر في ما هم عليه من أفكار وآراء، وعاب عليهم التقليد وتغييب العقول خاصة في معتقداتهم، ومن أجمل الآيات المنبهة إلى قبح الشرك، ما أورده الله تعالى في سورة الزمر في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَّجُلا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾، بل أكثر من ذلك عدّت آيات أخرى المغيبين عقولهم كالبهائم.

إن إثارةَ الانتباه التي اعتمدها القرآن واعتماد ضرب المثل منهجاً من مناهج تحصيل المعرفة -إذا أضيفت إلى قابلية الإنسان للتعلم- يمكنها متى استثمرت جيداً من قبل المعلمين، أن تعطي نتائج مهمة في صفوف المتعلمين، بحيث تجعلهم لا يسلّمون لكل شيء يتلقونه، ويدفعهم ذلك إلى الخطوة الموالية في العملية التعليمية وهي:التساؤل بشأن ما يتلقونه من معارف وعلوم.

ب. الدعوة إلى نشر ثقافة السؤال:

مما لاشك فيه أن غياب السؤال والتساؤل في عملية تعليمية، يعني فشلًا تامًا لهذه العملية، فطالب العلم الذي لا يسأل، والمعلم الذي لا يدفع طالبه إلى السؤال والتساؤل، فاشلان معاً، فلا الأول سيحصِّل معرفةً، ولا الثاني سيوصل معرفةً، والذي يعُدّ كم مرة ورد فيها جذر س-ء-ل في القرآن الكريم، باعتباره وسيلة من وسائل تحصيل المعرفة من جهة، وللتأكد من صحة المعلومة من جهة أخرى، يجدها بلغت، وربما، فاقت 129 مرة. أما السؤال باعتباره وسيلة لتحصيل المعرفة، فتمثله كل الآيات التي جاء فيها قوله تعالى مبتدئا بـ: “يسألونك”، وكلها أسئلة وردت من قبل المتعلمين إلى معلمهم، أما السؤال باعتباره وسيلة للتأكد من صحة المعلومة، فقد وردت آيات في سياق دعوة النبي إلى سؤال أهل العلم من أهل الكتاب أو غيرهم، لمعرفة حقيقة ما يوحى إليه، لدفع كل شك محتمل بشأنه، يقول تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

ج. الدعوة إلى المراجعة والنقد

إذا اكتملت العناصر السابقة: القابلية، وإثارة الانتباه والتساؤل في المتعلم وأدرك معانيها المعلِّم، ستكون نتيجتها حتماً اعتماد المراجعة والنقد للأفكار السابقة من لدنهم معاً، إذ سيصبح الطالب بعد الحين والحين، يراجع ما تراكم لديه من معارف، كما سيصبح الأستاذ منتظرًا لهذه المراجعة من قِبل طلابه، قابلاً لها، حتى وإن كان موضوع المراجعة والنقد الأفكار التي يتبناها المعلِّم أو الأستاذ. ويكفي أن الإسلام يمثل حركة نقدية في سلسلة تاريخ الأديان، فقد جاء مصحِّحًا لها مهيمنًا عليها، وما ورد في كتاب الله من عقائد، وقيم، وأخلاق، وأحكام، بُني على نقد الأفكار السابقة ومراجعتها.

وقد فـهم المسلـمـون الأمـر ووعـوا أهميـة النقـد والمراجـعـة الفكريـة ومارسـوهـا، يقول الجـوينـي في كتابته البرهـان: “السابـق وإن كان لـه حـق الوضـع والتـأسيـس والتأصيل فـ للمتأخر الناقد حق التـتميـم والتكميـل، وكـل موضوع على الافتتاح قد يتطرق إلى مبادئه بعض التثبيج ثم يتدرج المتأخر إلى التهذيب والتكميل، فيكون المتأخر أحـق أن يتبـع لجمعـه المذاهب إلى ما حصل عليه السابـق تأصيلـه. وهذا واضـح في الحـرف والصناعـات، فـضلاً عـن العلـوم”

3- معوقات العملية التعليمية في القرآن:

1- الاستعجال وعدم الصبر عند التعلم:

كذلك حذرنا القرآن من معيقات التعلم، وهو الاستعجال في تحصيل المعارف، عند ذكره لقصة موسى مع الرجل الصالح، وفيها توجيه من هذا الأخير إلى الطالب موسى، إلى ضرورة التحلي بالصبر، وتحمل مشقة التعليم بالنسبة للمتعلم ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، وتكررت خمس مرات في السورة، والتحلي بالحلم بالنسبة للمعلِّم. والسؤال وإن كان منهجًا تعليميًا، فلا يجب أن يشوبه الاستعجال، ونفهم من هذا أن طالب العلم مدعو إلى السؤال دون الاستعجال، فعليه تحصيل المعلومة أولًا، واستيعابها ومحاولة فهم مضمونها، ثم بعد ذلك له أن يسأل عما لم يتبين له معناه.

2- الاستكبار و الاحتقار والتقليل من شأن المعلم أو المتعلم.

لقد وردت في كتاب الله تعالى آيات كثيرة، دلت على أن كثيرًا من الناس لم يهتدوا بالأنبياء، ولم يستفيدوا من معارف الوحي، بسبب الاستكبار واحتقارهم لأنبيائهم، ولأنهم اعتقدوا أن العلم لا يحمله إلا فئة من طبقة معينة، يقول الله تعالى عن قوم نوح ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، وهناك آيات أخرى تبرز أن أكبر عائق يعوق الإنسان، ويحول دونه ودون اكتساب المعرفة، هو اعتقاده أن المعرفة لا تؤخذ ممن هو أقل منه مكانة، وأنها مقصورة على فئة مجتمعية دون أخرى.

خاتمة:

هذه بعض الإشارات الواردة في القرآن بخصوص العملية التعليمية عموما، وما يتعلق بجانب المعلِّم على وجه الخصوص، فالذي نحتاجه اليوم صناعة المعلِّم  بالشروط التالية:

  • أن يكون مدركًا أن كل البشر قابلين للتعلم.
  • أن يكون متحليًا بالصبر عند تعليمهم.
  • أن يؤمن أن الاختلاف سنَّة الله في خلقه، وينقل ذلك إلى طلابه.
  • أن ينشر بين طلابه ثقافة السؤال، وعدم الاستعجال.
  • أن ينمي ملكة النقد عندهم ومراجعة الأفكار.
  • ألا يحتقر منهم أحدًا ، وألا يقبل منهم أو من غيرهم الاحتقار.

اخترنا لكم