الدين وشروط النهضة

image_pdf

العلاقة بين الدين والنهضة هي علاقة إشكالية، يَشُوبها كثيرٌ من الأحكام المقدَّمة، والتحيُّز، وقليلٌ من المعرفة والموضوعية. ففي الوقت الذي يرى فيه كثير من الإسلاميين المعاصرين، أن الإسلام هو أساس النهضة وجوهرها، نَجِد عددًا من الباحثين، لا يَرَون في الدين سوى عائقٍ أمام النهضة، وبناء الدولة الحديثة.

لم يقتصر الاختلاف على الإسلاميين، بل نجده حاضرًا بين الكتّاب الإسلاميين أنفسهم، كما كان الحال بين “سيِّد قُطب” و”مالك بن نبي”، عندما أشار قُطب إلى هذا الاختلاف في كتابه (معالم في الطريق) تحت عنوان (الإسلام هو الحضارة)، حيث تكلَّم عن تغييره لعنوان كتابه (نحو مجتمع إسلامي)، والذي كان ينوي تسميته (نحو مجتمع إسلامي متحضر)، على اعتبار أن المجتمع الإسلامي هو مجتمع متحضر، ولا داعي لزيادة كلمة “متحضر”!

درَج كثير من الكتّاب على نفي المُنجَزات الحضارية للعرب قبل الإسلام، على اعتبار أن الإسلام هو الذي أحدث للعرب حضارة، لم يكن لهم بها سابق عهد. وعلى الرغم من الأثر الكبير للإسلام في الحضارة العربية الإسلامية، إلَّا أن المُماهاة بين الإسلام كَدِين، والحضارة كمُنجَز إنساني، أدَّتْ إلى هيمنة النظرة الدينية على الجانب الدنيوي. وقد نتج أيضًا من هذه المُماهاة مفهوم (شمولية الدين)، والذي ينطوي بدوره على الاستخفاف بالإنسان ومقوِّماته المعرفية الفريدة. وتبعًا لهذا الاعتلال المفاهيمي، صِيغت مَقولات متناقضة حيال المنجزات الحضارية للغرب. فتارةً يُنظر إليها باعتبارها مسروقة من المسلمين، وتارةً أخرى تُعتبر جاهليةً منافية للإسلام.

أيضًا أسهمت بعض المفاهيم والتصورات العَقَدِيَّة في تعطيل حركة النهضة، وإحداث التغيير، كما هو الحال مع مفهوم القَدَر، والتصورات المتعلقة بانتظار الخلاص من السماء، بعيدًا عن شروط النهضة، وتحقيق العدالة، والانعتاق من القهر.

لا تتحقق النهضة بواسطة إخضاع العلوم للمعتقدات الدينية، وإنما باستنهاض العقل العلمي لدى الإنسان، ليقوم بالاكتشاف والإبداع. وهنا يجب التنبه على أن أسْلَمة المعرفة والنظم الاجتماعية والسياسية، لن تُسهم في نهضة المجتمعات العربية والإسلامية. فإسقاط العامل البشري من معادلة النهضة، يجعل المسلم عاجزًا عن فهم دوره وفعاليته، فضلًا عن فهمه لشرائط النهضة وأسبابها الموضوعية.

لا جدوى في الحديث بِأسْلَمة المعرفة دون القيام بقراءة معرفية للإسلام، وكذلك لا جدوى في وضع مسلَّماتِ معرفةٍ معيارية خارج دائرة التدبر والمراجعة. فالمسلَّمات الساذجة لا تُنتج معرفة نقدية، يمكن لها أن تسهم في تحقيق النهضة والعمران البشري.

التعامل مع الدين كحالة استثنائية خارج نطاق المعرفة الإنسانية، وبعيدًا عن دراسة تاريخ الأديان والسياقات الإنسانية العامة لِتطوُّر الفكر الإنساني، لن يُفضي إلى سوى “أسطَرَة الدين” ونزعِه من سياقاته التنزيلية.

عندما فتح المسلمون القسطنطينية، كان الفكر الديني المسيحي منشغلًا بالبحث عن عدد الملائكة، الذين يُمْكن لله أن يخلقهم على رأس إبرة! وهذه الإشارة تؤكد لنا أهمية المراجعة العميقة للتُّراثَيْن الديني والدنيوي لمجتمعاتنا الإنسانية. فمراجعة التراث هي جزء من الثورة الثقافية التي تتطلَّبها النهضة، وهي شرط ذاتي يجب أن يقوم به المفكرون المنصفون، بعيدًا عن النكاية والنزعة الدفاعية الجدلية.

لا تختلف المشكلات التي تحُول دون نهضة المجتمعات؛ فهي مشكلات تتصل بسُنن وقوانين لا تُحابي أتباع ديانة أو طائفة. وكما أننا ننظر إلى دور الاقتصاد في نهضة المجتمعات، فهكذا يجب النظر إلى دور الدين بعيدًا عن أوهام الشعور بالاستعلاء والتفرد.

من المفارقات الغريبة انشغال كثير من الباحثين بتأكيد دور المسلمين في النهضة الغربية، أكثر من انشغالهم بالفعل النهضوي ذاته، أو حتى بالسعي لمعرفة الأسباب المختلفة التي قامت عليها تلك النهضة! إن إدانة الدين وتحميله وِزْر تخلُّف المجتمعات، لا يختلف من حيث المضمون عن تضخيم دور الدين، وجعْلِه السبب الأوحد في تحقيق نهضة المجتمعات وتقدمها. فكِلْتَا المقولتَين تعجز عن رؤية الأسباب الموضوعية والسياقات التاريخية، للعلاقة بين الدين والمجتمع الإنساني.

لن ننهض دون تحرير الدين من أوهام المتدينين، وانفعال المقهورين، واستغلال السياسييين. ولن ننهض دون أن ندرك أنَّ المجتمعات المدنية، هي التي تَبني مؤسساتها الدينية والسياسية وترتقي بها، وأنّ الدين ليس هو السبب في تخلُّف المجتمعات، وأيضًا ليس هو الشرط الوحيد لنهضتها.

___________
*المصدر:  تعددية

جديدنا